فرنسا - سعودي 365 | بقلم: نورة القحطاني
شهدت احتجاجات فرنسا الأخيرة موجة عنف غير مسبوقة اجتاحت مدنها الكبرى، محولة الشوارع الهادئة إلى ساحات اشتباكات وتخريب واسع النطاق. جاءت هذه المظاهرات الحاشدة، التي شارك فيها مئات الآلاف، تعبيرًا عن غضب شعبي متصاعد إزاء ارتفاع تكاليف المعيشة، وذلك قبل ستة أشهر فقط من موعد الانتخابات الرئاسية المرتقبة.
وصفت السلطات الوضع بـ"المعجزة" لعدم ارتفاع حصيلة الإصابات بشكل أكبر، في إشارة إلى حجم العنف الذي واجهته قوات الأمن. بينما أعلن منظمو الاحتجاجات عن مشاركة 800 ألف شخص، قدر وزير الداخلية لوران نونيز العدد بنحو 550 ألفًا، مؤكدًا توقيف قرابة 400 شخص في عموم البلاد.
اقرأ أيضاً
في قلب العاصمة باريس، تحولت ساحة الجمهورية إلى بؤرة للتوتر، حيث استخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع لتفريق مئات المتظاهرين الذين ارتدى معظمهم ملابس سوداء وأقنعة. بعضهم ألقى مقذوفات وألعابًا نارية باتجاه الشرطة، مما استدعى تدخلًا مكثفًا.
مع انطلاق المسيرة، لم تتردد الشرطة في استخدام خراطيم المياه لمواجهة مثيري الشغب الذين مارسوا أعمال عنف. وبحلول منتصف النهار، أُلقي القبض على 133 شخصًا في باريس وحدها، في مؤشر على شدة المواجهات والتدابير الأمنية الصارمة.
لم يقتصر الأمر على باريس، ففي مرسيليا، ثاني أكبر مدن فرنسا، اقتحم محتجون وصفهم رئيس البلدية بينوا بايان بـ"المخربين" مبنى البلدية لفترة وجيزة. وهتف أحدهم "نحن نقتحم سجن الباستيل"، في إشارة رمزية قوية إلى الثورة الفرنسية عام 1789، مما دفع رئيس البلدية لطلب تعزيزات أمنية فورية.
امتدت أعمال التخريب لتشمل مدنًا أخرى، حيث اندلع حريق كبير في مبنى بلدية ليموج التاريخي بوسط البلاد، والذي يزيد عمره على 140 عامًا، بعد اقتحامه من قبل متظاهرين ملثمين. كما تعرض مبنى في غرونوبل وفرع لمكتب السياحة في ليون لأضرار مماثلة، وحصلت سعودي 365 على تفاصيل إضافية حول حجم الخسائر المادية التي طالت هذه المنشآت.
وفي بوردو، تعرض مقر إقامة المحافظ للنهب، بينما في باريس، هاجم نحو 100 متظاهر مقر قناة "سي نيوز" التلفزيونية، المملوكة للملياردير المحافظ فانسان بولوريه، وألقوا مقذوفات على واجهتها، في تصعيد يستهدف المؤسسات الإعلامية.
تستحضر هذه الأحداث بقوة ذكريات حراك "السترات الصفراء" في عامي 2018 و2019، الذي بدأ احتجاجًا على رفع ضريبة الوقود وتصاعد إلى مظاهرات واسعة النطاق ضد غلاء المعيشة. صور العنف، خاصة في الشانزليزيه، لا تزال محفورة في الذاكرة الجماعية وتنتشر على نطاق واسع عالميًا.
أخبار ذات صلة
من بين المشاركين، تحدث كريستوف، نجار يبلغ 47 عامًا وشارك في حراك السترات الصفراء، عن إصابته عام 2019 بطلقة من بندقية تطلق كرات وامضة، وهو سلاح يثير جدلًا واسعًا. وعبر عن خشيته قائلًا: "اليوم وصل الحدّ إلى قمع أطفالنا"، مما يعكس عمق الإحباط الشعبي.
في رد فعل حازم، أكد الرئيس إيمانويل ماكرون أنه "لا مكان للعنف"، مشددًا على أن الجميع سيقفون "صفًا واحدًا ضد ناشري الفوضى، الذين لا يسعون إلا لتدمير مؤسساتنا ومنع من يعبرون عن مطالبهم سلميًا من القيام بذلك". تعكس هذه التصريحات إصرار الحكومة على التصدي لأعمال الشغب.
من جانبه، أشار رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو إلى أن الشرطة "واجهت عنفًا شديدًا للغاية"، مؤكدًا على التحديات الكبيرة التي تواجهها قوات الأمن في التعامل مع هذه الموجة من الاضطرابات التي تهدد استقرار البلاد قبيل استحقاق انتخابي هام.


التعليقات 0
أضف تعليقك