سوريا - سعودي 365 | بقلم: نورة القحطاني

النشرة الوبائية السورية تعود إلى الواجهة بعد غياب طويل امتد لخمسة عشر عاماً، في إنجاز مهم أعلنته وزارة الصحة السورية اليوم الثلاثاء. هذه الخطوة تمثل نقطة تحول جوهرية في جهود تعزيز منظومة المعلومات الصحية، وتأتي لتغطي لأول مرة كافة الأراضي السورية، مما يبشر بمرحلة جديدة من الرصد والوقاية من الأمراض.

المديرية المعنية بالأمراض السارية وغير السارية في الوزارة أوضحت أن النشرة الجديدة تتضمن بيانات مفصلة لبرامج الإنذار المبكر، وتشمل أيضاً الأمراض المشمولة باللقاحات، وتلك المنقولة عبر المياه والغذاء، بالإضافة إلى الأمراض التنفسية الحادة. ويؤكد وزير الصحة السوري، مصعب العلي، أن إصدار هذه النشرة يشكل ركناً أساسياً في رفع كفاءة الاستجابة الوبائية ودعم الأمن الصحي الوطني.

اقرأ أيضاً

لا شك أن هذه النشرة تُعد أداة حيوية لتقييم الوضع الصحي العام ومتابعته بدقة، فهي تتيح رصد انتشار الأمراض الانتقالية وغير الانتقالية وتحليل بياناتها ضمن فترات زمنية محددة. كما أنها توفر مؤشرات قيمة تساعد الجهات الصحية في اتخاذ القرارات الصائبة، وتحديد الأولويات، وتوجيه الموارد الطبية بكفاءة، فضلاً عن دورها في رصد أي ارتفاع غير طبيعي في أعداد الحالات لدعم الإنذار المبكر والاستجابة السريعة لأي تفشيات محتملة.

الوباء، كما هو معروف، يعني انتشاراً مفاجئاً وسريعاً لمرض معين في منطقة جغرافية تتجاوز معدلاته المعتادة، كما شهدنا في حالات مثل السارس وإنفلونزا الطيور وفيروس كورونا. وفي هذا السياق، يرى عضو مجلس الشعب السوري، الطبيب محمود مصطفى، أن إعادة إصدار النشرة تمثل خطوة محورية نحو النهوض بالقطاع الصحي في سوريا، خصوصاً وأنها تغطي كامل البلاد للمرة الأولى، وبحسب ما علم محرر سعودي 365، فإن هذا التوسع سيعزز بشكل كبير قدرة الوزارة على التعامل مع التحديات الصحية.

وأضاف مصطفى أن النشرة ستسهم في تزويد وزارة الصحة ببيانات دقيقة وشاملة حول برامج الإنذار المبكر والأمراض الوبائية والمعدية. هذا الأمر يتيح تقييماً مستمراً للوضع الصحي والتنبؤ المبكر بأي تفشٍ وبائي، مما يضمن توجيه استجابة سريعة وفعالة للموارد الطبية. وأشار إلى أن هذا البرنامج هو ثمرة جهود متواصلة بدأت من شمال حلب خلال سنوات الأزمة، وتوسعت لتشمل كافة المناطق.

على مدار السنوات الماضية، أسهمت السلطات المحلية والمجتمع المدني في تطبيق برنامج "الإنذار المبكر" بالتنسيق مع الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية. وقد وصف مصطفى هذا البرنامج بأنه من أنجح التجارب التي شهدها القطاع الصحي السوري، حيث ترك أثراً إيجابياً كبيراً في مواجهة الأمراض الوبائية والتصدي لها، مثل شلل الأطفال والحصبة، بالإضافة إلى دوره الأخير كجرس إنذار مبكر للتعامل مع انتشار الكوليرا.

النشرة الوبائية لا تقتصر فوائدها على الرصد والإنذار فحسب، بل تسهم بياناتها أيضاً في تقييم البرامج الصحية وحملات التطعيم والتدخلات الوقائية. كما أنها تعزز التنسيق وتبادل المعلومات مع الجهات والمنظمات المتخصصة، مما يخلق شبكة دعم صحي أكثر قوة وتماسكاً.

النشرة الوبائية السورية: تعزيز الاستجابة الصحية والأمن المجتمعي

على مستوى المجتمع، توفر النشرة معلومات صحية موثوقة تعزز الوعي بالإجراءات الوقائية، وتسهم في الحد من الشائعات والمعلومات الصحية غير الدقيقة. هذا الدعم المعلوماتي يحمي الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات، ويقوي من مناعة المجتمع ككل في مواجهة التحديات الصحية.

في سياق متصل، أطلقت وزارة الصحة، بدعم من منظمتي الصحة العالمية واليونيسف، حملة لقاح واسعة النطاق بين 31 مارس و26 أبريل 2026. استهدفت الحملة تتبع الأطفال الذين لم يتلقوا أي جرعة من اللقاحات أو لم يحصلوا على الجرعات الكافية، بهدف سد الثغرات المناعية الحرجة. وقد شملت الحملة نحو 900 ألف طفل في 19 منطقة ضمن محافظات دير الزور والحسكة والرقة وحلب، وتلقى الأطفال لقاح شلل الأطفال الفموي بغض النظر عن لقاحاتهم السابقة.

أخبار ذات صلة

وفي أكتوبر 2025، نُفذت حملة تطعيم وطنية أخرى استهدفت نحو 3.2 ملايين طفل دون سن الخامسة، لحمايتهم من الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاح. هذه الجهود المتواصلة تعكس التزاماً جدياً بتحسين الوضع الصحي للأطفال في سوريا.

من جانبها، أطلقت منظمة الصحة العالمية في فبراير الماضي نداء الصحة الطارئ والاستجابة الإنسانية الخاص بسوريا لعام 2026. يهدف هذا النداء إلى دعم الترصد والاستجابة للفاشيات والأمراض السارية، وتعزيز مسارات الإحالة، وتأمين الأدوية والمستلزمات الطبية الضرورية.

لكن التحديات لا تزال قائمة، ففي نوفمبر 2025، حذرت منظمة الصحة العالمية من أن 7.4 ملايين شخص في سوريا شهدوا تقلصاً في إمكانية الحصول على الأدوية والعلاج. وأوضحت المنظمة أن 417 مرفقاً صحياً تأثر بتخفيضات التمويل منذ منتصف العام الماضي، حيث جرى تعليق خدمات 366 مرفقاً أو تقليصها. وحذرت كريستينا بيثكي، القائمة بأعمال ممثلة منظمة الصحة العالمية في سوريا، من فجوة انتقالية تبرز مع تحول سوريا من حالة الطوارئ إلى التعافي، حيث يتراجع تمويل المساعدات الإنسانية قبل أن تتمكن البلاد من بناء قدراتها الذاتية بشكل كامل.