الرياض - خاص بـ "سعودي 365": تُختبر قيمة الجامعات في لحظات التحول الحقيقية بمدى قدرتها على إعادة تعريف وظائفها الأساسية، لا بالتخلي عنها أو اعتبارها عبئًا. وفي هذا السياق، فإن النظرة إلى كليات التربية بوصفها مجرد كيانات تنظيمية يمكن الاستغناء عنها، أو وحدات أكاديمية فقدت جدواها بعد توقف برامج معينة، لا تعكس رؤية استراتيجية صائبة بقدر ما تكشف عن خلل جوهري في فهم طبيعة الجامعة الحديثة. وعلمت مصادر "سعودي 365" أن هناك نقاشات متزايدة حول دور هذه الكليات في ظل التطورات المتسارعة.
جوهر الجامعة: منظومة معرفية لا تجمّع تخصصات
فالجامعة ليست مجرد تجمع لتخصصات متجاورة، بل هي منظومة معرفية حية تتشكل وتتطور حول سؤال محوري: كيف يُنتج التعلم داخلها؟ وأي تصور يغفل هذا السؤال الجوهري، أو يفصله عن بنيتها المؤسسية، يضعف قدرة الجامعة على التطور والنمو، مهما بدا هذا التصور دقيقًا من الناحية المالية أو التنظيمية.
أبعاد إشكالية فهم كليات التربية
- التقليل من شأن المعرفة التربوية: في بعض الخطابات المتداولة، تُختزل كليات التربية في صورة كاريكاتورية، حيث يُلمّح إلى أنها أولى بأن تُربّى قبل أن تُربّي. هذه الصياغة، وإن بدت عابرة، تكشف مفارقة مؤسفة؛ إذ تتحول المعرفة التربوية – وهي الأكثر اتصالًا بفهم التعلم الإنساني – إلى مادة للسخرية لا للدراسة والفهم.
- اللغة تعكس الإدراك: عندما تُقرأ التربية بمنطق الانطباع الشخصي، تُختزل قيمتها. وحين تُقرأ بمنطق العلم والبحث الأكاديمي، يتسع مداها لدرجة إمكانية إعادة تشكيل الجامعة بأكملها من الداخل.
إعادة توظيف كليات التربية في الجامعات المتقدمة
في تجارب الجامعات الرائدة عالميًا، لم تُبنَ كليات التربية كوحدات وظيفية ضيقة، بل كحاضنات معرفية تضبط العلاقة بين التعليم والتعلم. ولهذا السبب، لم يتم تهميشها، بل أعيد توظيفها بفاعلية لقيادة تطوير الممارسات التعليمية داخل الجامعة نفسها. فهي الجهة المسؤولة عن:
اقرأ أيضاً
- ترامب يوجه انتقادات حادة لإيران بشأن مضيق هرمز.. 'سعودي 365' يكشف التفاصيل
- ترامب يوجه تحذيراً صارماً لطهران بشأن مضيق هرمز.. ومصادر "سعودي 365" تكشف آخر المستجدات
- ريمونتادا تاريخية للرياض على الاتفاق في دوري روشن.. "سعودي 365" يرصد التفاصيل
- إنقاذ معجزة في المدينة المنورة: الهلال الأحمر السعودي ومواطنة بطلة تنقذان طفلة من توقف القلب في مسجد قباء
- حصري: دول الخليج تُصعّد ضد التدخلات الإيرانية بالأمم المتحدة.. 'سعودي 365' يكشف تفاصيل الرسالة الحاسمة
- تأهيل أعضاء هيئة التدريس تربويًا.
- تطوير أساليب التدريس الحديثة.
- تصميم الخبرات التعليمية المبتكرة.
- بناء بيئات تعلم محفزة وفاعلة.
مخاطر إضعاف الكليات التربوية
إن إضعاف هذه الكليات لا يعني مجرد تقليص وحدة أكاديمية، بل يعني إضعاف القدرة الداخلية للجامعة نفسها على فهم وإدارة عملية التعلم. فالخلل لا يكمن في كليات التربية، بل في معايير الحكم عليها. عندما تُقاس قيمتها بمدى ارتباطها المباشر بسوق العمل التقليدي، فإننا لا نختزل دورها فحسب، بل نختزل مفهوم القيمة الجامعية بأسرها.
القيمة الحقيقية للجامعة
فهل تُقاس الجامعة فقط بما تنتجه من خريجين لسوق العمل؟ أم بما تبنيه من معرفة عميقة وقدرة مستمرة على التعلم؟ من الذي يطور جودة التدريس الجامعي؟ من الذي يعيد بناء أدوات التقويم؟ من الذي يفسر نواتج التعلم ويكشف أسبابها؟ الإجابة عن هذه الأسئلة تكمن في صميم كليات التربية، فهي المجال الذي ينتج هذه المعرفة ويمنحها إطارها التفسيري.
التحول نحو "كيف نتعلم؟"
لقد تغير السؤال في الجامعات المتقدمة؛ لم يعد التركيز على "ماذا نُدرّس؟"، بل أصبح "كيف يتعلم الطالب؟". وعند هذا التحول، تنتقل كليات التربية من موقع طرفي إلى موقع استراتيجي حاكم، لأنها تمتلك الأدوات العلمية لتطوير التعليم الجامعي، وبناء المناهج القائمة على نواتج التعلم، وتصميم تقويم يكشف الأداء في سياقه.
- تأهيل أعضاء هيئة التدريس: لم يعد التميز العلمي في التخصص كافيًا لإنتاج تعلم فعّال ما لم يُدعَم بفهم تربوي عميق لطرائق التعلم.
- بناء جيل متعلم: كليات التربية هي الذراع المؤسسية لتأهيل أعضاء هيئة التدريس، مما يضمن جودة العملية التعليمية برمتها.
فرصة استراتيجية هائلة
إن أخطر ما في الطرح الذي يسعى إلى تهميش هذه الكليات هو إغفاله لواقع استراتيجي لا يمكن تجاوزه: وجود أكثر من خمسمائة ألف معلم ومعلمة في الميدان التعليمي، جميعهم في حاجة مستمرة إلى تطوير مهني متقدم. هذا الرقم لا يمثل عبئًا، بل يمثل أكبر مجال منظم يمكن أن تقوده كليات التربية إذا أُعيد تعريف دورها.
تحويل الكليات إلى محركات قيمة
يمكن للبرامج التنفيذية، والماجستيرات المهنية، والدبلومات المتقدمة، وبرامج التعلم المرن، أن تحوّل هذه الكليات إلى محركات رئيسة للتعلم مدى الحياة، ومصادر مستدامة للقيمة العلمية والاقتصادية معًا. وفي تصريح خاص لـ "سعودي 365"، أكد خبراء تربويون أن تجاهل هذا البعد لا يعد قصورًا في التقدير، بل تفويتًا لفرصة استراتيجية كبرى.
تناقضات خطيرة
تتجلى المفارقة حين تتزامن الدعوة إلى تقليص كليات التربية مع تبني خطابات تركز على جودة التعليم، ونواتج التعلم، وكفاءة التدريس، والتقويم المبني على الأدلة. فهذه المجالات لا تقع على هامش كليات التربية، بل تشكل جوهر اختصاصها. ومن ثم، فإن السعي إلى تحقيق هذه الأهداف مع إضعاف الكليات التي تحمل أدواتها يمثل تناقضًا صارخًا.
أخبار ذات صلة
- الشاعر الكويتي فيصل العدواني: المشاركة في حياكة كسوة الكعبة حلم يتحقق.. وتغطية خاصة لـ 'سعودي 365'
- فرصة ذهبية: حملة الراجحي تعلن عن حج مجاني للسعوديين عام 1446.. "سعودي 365" تكشف التفاصيل
- السعودية 365: دليل شامل لتمكين الفتيات وبناء جيل قوي وناجح
- المسند يحذر: الغيوم الخضراء تنذر بطقس عنيف وخطر قادم.. 'سعودي 365' يكشف التفاصيل
- طابع تذكاري ليوم العلم السعودي: «سبل» ووزارة الثقافة يخلّدان قصة فخر وطن عبر «سعودي 365»
رؤية الجامعة: معيار التطور
إن الجامعة التي تسمح بأن تُختزل التربية إلى عبارة عابرة، تكشف حدود فهمها لطبيعة التعلم. أما الجامعة التي تدرك أن فهم التعلم شرط أساسي لتجويده، فهي التي تعيد بناء موقع هذا المجال داخلها بوصفه ركيزة لا يمكن التفريط بها. وعند هذه النقطة، لا تعود كليات التربية مجرد خيار تنظيمي، بل معيار يكشف عمق الرؤية التي تُدار بها الجامعة، وحدود الأفق الذي تتحرك داخله.
تابعوا التغطية الكاملة عبر "سعودي 365" لأحدث المستجدات في القطاع التعليمي.
• أستاذ القيادة التربوية
• المدير العام للتعليم بمنطقة مكة المكرمة الأسبق