باريس - سعودي 365 | بقلم: نورة القحطاني
تتجه الأنظار نحو تعزيز صناعة الفضاء الأوروبية، حيث دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين، أوروبا إلى إحداث نقلة نوعية في هذا القطاع الحيوي. جاءت هذه الدعوة خلال اليوم الثاني من القمة الدولية للفضاء، التي تستضيفها باريس وألمانيا معًا، في خطوة تعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية الفضاء كركيزة للأمن والازدهار القاري.
وصف ماكرون، في كلمته أمام القمة، قطاع الفضاء الأوروبي بأنه "هش"، مؤكدًا على الحاجة الملحة لتقوية قدراته. شدد الرئيس الفرنسي على ضرورة "حوكمة مشتركة" لهذه الصناعة، مشيرًا إلى أن الفضاء الخارجي لا يزال هو "الحيّز العالمي المشترك الكبير الوحيد الذي لا تحكمه قواعد تنظمه بما يتناسب مع حجم الرهانات". هذا التصريح يضع إطارًا واضحًا للتحديات التي تواجه القارة في سعيها نحو استقلالية فضائية حقيقية.
اقرأ أيضاً
تتجاوز الطموحات الأوروبية مجرد الدعوات، حيث أشار ماكرون إلى توقيع أكثر من 51 اتفاقية خلال القمة، باستثمارات تقارب 20 مليار يورو. وحدد الرئيس الفرنسي محطات زمنية طموحة لمسار أوروبا المستقبلي في الفضاء. ففي غضون عامين، يأمل في رؤية أول كبسولة شحن أوروبية، "Nyx"، تلتحم بمحطة الفضاء الدولية. وبعد خمسة أعوام، يطمح أن يهبط أول مسبار أوروبي، "Argonaut"، على سطح القمر. وتصل ذروة هذه الرؤية خلال عشرة أعوام، بانطلاق أول كبسولة أوروبية مأهولة من كورو، ميناء أوروبا الفضائي في غويانا الفرنسية، وعلى متنها رواد فضاء أوروبيون ودوليون.
من جانبها، أكدت فون دير لايين على الدور المحوري الذي يلعبه الفضاء، ليس فقط في الاستكشاف العلمي، بل أيضًا في مجال الدفاع. أشارت رئيسة المفوضية الأوروبية إلى أن "القدرة على الوصول إلى الفضاء والعمل فيه لا تشكل دعامة لازدهارنا فحسب، بل باتت بشكل متزايد تحدد أمننا واستقلالنا"، مستشهدة بالحرب في أوكرانيا كدليل واضح على ذلك. فالاتصالات الفضائية تبقي الجنود على تواصل، بينما تكشف صور الأقمار الصناعية تحركات استراتيجية على بعد مئات الكيلومترات، مما يبرز الأهمية القصوى لهذا البعد الأمني.
صناعة الفضاء الأوروبية: استقلالية في ظل التحديات الجيوسياسية
يغذي سعي أوروبا لتعزيز قدراتها الفضائية العسكرية، الصراع الدائر في أوكرانيا، بالإضافة إلى رغبتها في التخلص من الاعتماد الطويل الأمد على الولايات المتحدة في هذا المجال. وبحسب ما علم محرر سعودي 365، فقد انسحبت عدة شركات أمريكية بارزة، مثل "SpaceX" و"Blue Origin"، من القمة قبيل انعقادها، وسط تقارير عن تعرضها لضغوط من واشنطن تتعلق بدعم "مواقف سياسات الاتحاد الأوروبي". تاريخيًا، استثمرت أوروبا حوالي 0.07% من ناتجها المحلي الإجمالي في برامج الفضاء، مقارنة بـ 0.24% في الولايات المتحدة، لكن هذا المشهد يتغير بسرعة.
أخبار ذات صلة
يمثل عام 2025 نقطة تحول، حيث وافقت وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) في نوفمبر الماضي على ميزانية قياسية قدرها 22.3 مليار يورو لدورة تمويل تمتد لثلاث سنوات (2026-2028)، منها 35 مليار يورو مخصصة للفضاء من أجل الأمن والدفاع. أكدت فون دير لايين أن "الأمن على الأرض يعتمد بشكل متزايد على أمننا في الفضاء"، مشددة على أهمية برنامج "IRIS²"، وهو كوكبة الأقمار الصناعية الرائدة المقبلة للاتحاد الأوروبي. وقد تقرر تسريع تنفيذ هذا النظام وتوسيعه ليضم أكثر من 350 قمرًا صناعيًا، في خطوة تعكس التزامًا أوروبيًا راسخًا بمستقبلها الفضائي.
دعت فون دير لايين أيضًا إلى "توحيد" قدرات المفوضية ووكالة الفضاء الأوروبية والحكومات الوطنية، مطالبة باستثمارات "على نطاق واسع" لضمان تحقيق هذه الأهداف الطموحة. وقد انضم ماكرون ومدير وكالة الفضاء الأوروبية جوزيف آشباخر إلى اتصال مباشر مع رائدة الفضاء صوفي أدنو، التي تشارك حاليًا في مهمة "εpsilon" على متن محطة الفضاء الدولية، مما يرمز إلى التفاعل المباشر بين القيادة السياسية والعلمية مع رواد الفضاء في قلب الحدث.