سعودي 365
السبت ١٨ يوليو ٢٠٢٦ | السبت، ٤ صفر ١٤٤٨ هـ
عاجل

فيلم 'الأوديسة' لكريستوفر نولان: ملحمة سينمائية جديدة تثير الجدل وتخطف الأنفاس

فيلم 'الأوديسة' لكريستوفر نولان: ملحمة سينمائية جديدة تثير الجدل وتخطف الأنفاس
Saudi 365
منذ 4 ساعة
1

في متابعة حصرية لـ 'سعودي 365': كريستوفر نولان يعيد تعريف الملحمة الإغريقية بفيلم 'الأوديسة'

بعد النجاح الباهر الذي حققه فيلمه الأخير «أوبنهايمر»، كان العالم يترقب بشغف المشروع التالي للمخرج العبقري كريستوفر نولان، والذي اعتاد أن يدفع بحدود السرد السينمائي والتجربة البصرية. وفي خطوة مفاجئة، أعلن نولان عن عودته إلى الجذور الأدبية، مستلهماً واحدة من أعظم كلاسيكيات الأدب الغربي، ملحمة «الأوديسة» للشاعر الإغريقي هوميروس، ليقدم لنا فيلماً يمتد لقرابة الثلاث ساعات، ويمزج ببراعة بين الفن الخالص والإبهار التجاري. هذا العمل السينمائي، الذي يحمل عنوان «The Odyssey»، لم يكتفِ بتقديم تحفة بصرية، بل أثار العديد من التساؤلات الفلسفية والنقدية التي تستحق التدقيق، وهذا ما قام به فريق 'سعودي 365' في هذا التقرير الحصري.

ملحمة «الأوديسة»: رحلة العودة إلى الذات المفقودة

تأخذنا قصة الفيلم في رحلة ملحمية تمتد لعقدين من الزمان، بطلها «أوديسيوس» (مات ديمون)، الملك والمحارب الأسطوري لجزيرة إيثاكا. بعد استجابته لنداء «أغاممنون» (بيني سافدي) للمشاركة في حرب طروادة، يجد البطل نفسه تائهاً بعد انتصار الإغريق بفضل خدعته الشهيرة «حصان طروادة». تتخلل رحلة عودته مغامرات مروعة، حيث يواجه لعنات الجبابرة وغضب الطبيعة، بينما يصارع في داخله تداعيات قراراته الماضية.

حرب إيثاكا الخفية: صمود الزوجة وثبات الابن

في المقابل، وبأسلوب نولان المميز في التلاعب بالسرد الزمني غير الخطي، ينتقل الفيلم بنا إلى جزيرة إيثاكا، حيث تدور حرب من نوع آخر. زوجته المخلصة «بينيلوبي» (آن هاثاواي)، وابنه الذي يقف على أعتاب الرجولة «تيليماخوس» (توم هولاند)، يعيشان حصاراً داخل قصرهما. الخطّاب الجشعون، بقيادة المتغطرس «أنتينوس» (روبرت باتينسون)، يعيثون فساداً ويستنزفون ثروات الملك الغائب، ويضغطون على بينيلوبي لاختيار أحدهم كزوج وملك جديد. هنا تتجلى قسوة انتظار العودة، وصمود العائلة، الذي لا يقل عن قسوة مواجهة وحوش البحر.

فلسفة نولان وعقدة العبقرية: أوديسيوس بين مطرقة الماضي وسندان الحاضر

يتميز فيلم نولان بتفكيكه النفسي العميق لشخصية أوديسيوس، والذي يكشف عن هاجس متكرر في أعمال المخرج: العبقرية التي قد تنهي الحروب ولكنها تدمر أرواح أصحابها. بمقارنة ذكية، نجد أن «حصان طروادة» هنا هو المعادل الموضوعي لقنبلة «أوبنهايمر» الذرية. كلاهما يمثل حيلة عبقرية وتكتيكاً غير مسبوق أنهى صراعاً دموياً طويلاً، وكلاهما تحول إلى لعنة تطارد صانعه. يواجه أوديسيوس طيف «سينون» (إليوت بيج) الذي يهمس له: «لقد متُّ بسبب أكاذيبك»، في إشارة واضحة للعواقب الأخلاقية المدمرة. أوديسيوس لا يبحث فقط عن طريق للعودة، بل يبحث عن الخلاص والتطهر من دماء الآلاف الذين ذُبحوا بسبب فكرته. لقد جسد مات ديمون هذا التمزق ببراعة، محولاً البطل المنتصر إلى إنسان يسحقه الإحساس بالذنب، مقدماً أداءً يُعد من الأفضل في مسيرته الفنية.

نقاط خلافية: جدلية الأصالة الفنية ومعايير العصر

على الرغم من براعته الفنية، لم يسلم الفيلم من بعض الملاحظات النقدية، خاصة فيما يتعلق بفرض «الصوابية السياسية» أو الأجندات العصرية بشكل قد يبدو مقحماً. فأن تجد جيش طروادة خليطاً عرقياً يضم اللاتيني، والآسيوي، والإفريقي، والهندي، قد يبدو للوهلة الأولى رسالة إنسانية نبيلة. ولكن في سياق ملحمة إغريقية بحتة، يرى كثير من النقاد أنه يفقد العمل مصداقيته التاريخية والأسطورية.

تساؤلات حول الهوية العرقية للشخصيات الأسطورية

  • تجلت ذروة هذا الإقحام في اختيار الممثلة السمراء الموهوبة «لوبيتا نيونغو» لتجسيد شخصية «هيلين الطروادية»، التي تُعرف في الأساطير كأيقونة للجمال الإغريقي الأبيض.
  • يطرح هذا الاختيار تساؤلاً جوهرياً حول أهمية الحفاظ على الهوية العرقية الأصلية للشخصيات التاريخية أو الأسطورية، وهل يجب أن تُسلب هذه الهوية لمجرد إرضاء معايير التنوع الحديثة؟
  • ويرى البعض أن المبالغة في فرض التنوع بالقوة قد يتحول في حد ذاته إلى نوع من العنصرية العكسية ومحو الهويات الثقافية والتاريخية، وهو ما يستدعي نقاشاً معمقاً حول حدود الحرية الفنية ومسؤوليتها تجاه التراث الإنساني.

رغم هذه الجدلية، لا يمكن إنكار قوة بعض اللقطات الفلسفية العميقة، كالمشهد المرعب الذي تقوم فيه الساحرة «سيرسي» (سامانثا مورتون) بتحويل رجال أوديسيوس إلى خنازير، وحين تعيدهم إلى هيئتهم البشرية، ترمي في وجوههم بجملة فلسفية بديعة: «عودوا إلى تنكركم»، وكأن الحضارة ليست سوى قناع، بينما يقبع الوحش بداخل كل مقاتل.

تألق نجوم هوليوود في تجسيد أبطال الأساطير

لم يقتصر الحضور الطاغي في هذا الفيلم على أوديسيوس، بل زخرت رحلته وخطوط السرد الموازية بضيوف شرف من العيار الثقيل، جسدوا الجبابرة والكائنات الخرافية بلمسة نولانية خالصة:

  • زيندايا: ورغم مساحة دورها التي لا تتجاوز الدقائق القليلة في دور «أثينا»، إلا أنها شكلت مرساة عاطفية قوية للبطل التائه.
  • تشارليز ثيرون: خطفت الأنظار في دور الحورية «كاليبسو» التي تأسر أوديسيوس، مانحةً الشخصية جاذبية خطرة ومغرية أعادت للأذهان سحر وغموض فتيات «جيمس بوند» في الستينيات.

هذا التوظيف الذكي للنجوم الكبار حتى في الأدوار القصيرة، أضفى على الفيلم ثقلاً إضافياً وزخماً محبباً يعزز من قيمته الإنتاجية والفنية.

تجربة سينمائية لا تُنسى: أبعاد بصرية وسمعية تخطف الأنفاس

إن مشاهدة فيلم «The Odyssey» في قاعات الـ IMAX هي ببساطة واحدة من أمتع التجارب التي يمكن أن تعيشها كعاشق للسينما. التصوير بكاميرات IMAX قدم لنا لوحات بصرية تحبس الأنفاس، بفضل مدير التصوير المبدع هويت فان هويتيما. مشاهد وقوف أوديسيوس عاجزاً وهو يشاهد سفينته تتمزق وسط عاصفة هوجاء، وتصوير المحيط كأنه سجن واسع ولا نهائي، كل ذلك مدعوم بموسيقى لودفيج جورانسون الملحمية التي تخترق الحواس وتتحدث نيابة عن الأبطال. المتعة السمعية والبصرية هنا ليست مجرد خلفية للأحداث، بل هي بطل موازٍ يبتلعك داخل هذا العالم الأسطوري ويجعلك جزءاً منه. لقد جرد نولان الأسطورة من سحرها الفنتازي المفرط لصالح واقعية مرعبة ومدهشة تليق بشاشة عملاقة.

في ختام هذا التقرير الخاص بـ 'سعودي 365'، وعلى الرغم من بعض الانتقادات المتعلقة بالصوابية السياسية أو البرودة العاطفية في مشهد اللقاء الختامي، يبقى فيلم «The Odyssey» تحفة فنية واستعراضاً لعضلات إخراجية لا يمتلكها في هوليوود حالياً سوى كريستوفر نولان. إنه يدمج الفلسفة بالإبهار، وعقدة الذنب بمتعة المغامرة. إنه ليس مجرد فيلم تشاهده لتنساه، بل هو رحلة سينمائية جبارة تذكرك بالسبب الذي يجعلك تحب الذهاب إلى صالات السينما من الأساس.

الكلمات الدلالية: # كريستوفر نولان # فيلم الأوديسة # مراجعة سينمائية # مات ديمون # آن هاثاواي # هوليوود # IMAX # أفلام 2024 # أساطير إغريقية # فنون