سعودي 365
الأربعاء ١٨ فبراير ٢٠٢٦ | الأربعاء، ١ رمضان ١٤٤٧ هـ
عاجل

لا سلَّمَ اللهُ المؤامرات!!

لا سلَّمَ اللهُ المؤامرات!!
عبد الفتاح يوسف
منذ 2 أسبوع
10
تولد عبارات الألم من رحم التجارب القاسية للشعوب، لا تصنعها النخب بل تنبع من فيض الكيل. هذه العبارات تختصر تجارب الخذلان والدم والنهب وانتهاك الكرامة. وتكرارها في بلدان مختلفة بصيغ متقاربة هو شهادة شعبية على نمط سلوك سياسي واحد، يتمثل في التدخل في شؤون الدول، ودعم الجماعات المسلحة، وتمويل الفوضى بدلاً من الاستثمار في الاستقرار. النتيجة واحدة: دول تتآكل، مجتمعات تُنهك، أعراض تُنتهك، وأموال عامة تُستباح. المفارقة أن هذا العبث يصدر عن حكومات تملك فائض المال، بدلاً من دول محتاجة. وبدل استثمار هذا الفائض في بناء نموذج متوازن، يُستخدم كوقود لمغامرات خارجية لا تستند إلى الحكمة بل المراهقة السياسية. يعتقد البعض أن المال قادر على تعويض غياب العمق، وأن النفوذ يمكن شراؤه. يبرز عامل نفسي لا يمكن تجاهله: عقدة النقص السياسي. عندما يفشل الحجم الطبيعي في منح الإحساس بالثقل، يتحول النقص إلى هوس إثبات. وعندما تفشل الدولة في بناء قيمة داخلية، تبحث عن حضور مصطنع عبر التدخل الخارجي. هنا، لا يعود التدخل سياسة بل تعويضاً، والنفوذ استعراضاً لإقناع الذات. يبلغ التناقض ذروته حين تُعقد المعاهدات مع عدوّ واضح باسم «الواقعية»، بينما يُخاصم القريب باسم «السيادة». تتحول مقولة «عدوّ عدوي صديقي» إلى «عدوّ أخي صديقي»، فيصبح من يهدد الأمة شريكاً، ومن يشاركها الدم واللغة والمصير كعبء. من المشاهد المؤلمة اختصار العبث بالإنسان والطبيعة في صورة امرأة مشنوقة، ضحية الظلم والعنف، وفي الوقت نفسه تُجتث شجرة نادرة. المشهدان متطابقان في المعنى: حين تفقد السياسة إنسانيتها، يصبح الإنسان والأرض هدفين متساويين للبطش. ليت هذه الدول المتعطشة للخراب تقتدي بالمملكة العربية السعودية، التي تقدم نموذجاً مغايراً في إدارة الأزمات، داعمةً للشعوب العربية والإسلامية، بمدّ يد العون والمساعدة بلا وصاية أو استغلال، وبعيداً عن صناعة الفوضى أو الانقسام. يكتمل هذا المشهد العبثي بدور إعلامي خطير، امتهن الكذب كسياسة. يُنفق بسخاء على تضخيم سرديات تاريخية مصطنعة وادعاءات «اكتشافات أثرية» لشراء الجذور حين يغيب العمق. وينحدر الخطاب إلى مستوى الابتزاز الرخيص، على ألسنة مسؤولين وقيادات، يلوّحون بنشر صور ومقاطع خاصة، في سلوك يُجَرِّم ذاته أخلاقياً وقانونياً. هذا السقوط المزدوج هو اعتراف بأن التاريخ يُفبرك، وأن ما يجري خلف الأبواب الرخوة يتقاطع فيه المصالح مع أساليب العصابات. يفقد الإعلام وظيفته الأخلاقية، ويتحول إلى سلاح قذر، يفضح أصحابه أكثر مما يسيء إلى خصومهم. علمنا التاريخ أن الدول التي تبني حضورها على الفوضى تحصد العزلة، ومن يستثمر في المليشيات يخسر الدول، والمال حين ينفصل عن الحكمة يتحول من نعمة إلى نقمة. حين ينحدر الإعلام من منصة سرد إلى أداة ابتزاز، والمؤامرة تكون قد بلغت ذروتها. المؤامرات لا تسقط حين تُكشف فقط، بل حين تفقد غطاءها الأخلاقي، وحين يعترف أصحابها بأنهم لا يملكون حجة سوى التشهير، ولا تاريخاً سوى ما يصنعه المال، ولا نفوذاً سوى ما تفرضه الفوضى. عندها يبدأ العدّ التنازلي.

المملكة العربية السعودية - سعودي 365

الكلمات الدلالية: # مؤامرات، تدخل خارجي، فوضى، استقرار، عقدة نقص سياسي، إعلام، كذب، ابتزاز، السعودية