سعودي 365
الأربعاء ١ أبريل ٢٠٢٦ | الأربعاء، ١٣ شوال ١٤٤٧ هـ
عاجل

عندما قررت أن أكون وكيلاً: أحلام الهدوء تتحطم في معركة النظام اليومي

عندما قررت أن أكون وكيلاً: أحلام الهدوء تتحطم في معركة النظام اليومي
عبد الفتاح يوسف
منذ 2 شهر
31
حلمتُ بالهدوء والمكانة والهيبة حين قررت أن أصبح وكيلاً لمدرستي، ظناً مني أن مكتبي سيكون واحةً للنظام تفوح منها رائحة القهوة والنعناع، وأن المنصب سيمنحني مكانة اجتماعية لامعة، وأن كلمتي ستنفذ كأوامر قائدٍ مهيب. لكن الأيام الأولى كشفت لي حقيقة مختلفة تماماً؛ فالوكيل ليس مجرد موظف، بل كائن خارق يملك قدرة التواجد في كل مكان وزمان: في الفناء، والممرات، وغرفة المعلمين، والطابور الصباحي. أقف اليوم أمامكم، بعد أن عشتُ تجارب لا تُحصى، بضحكةٍ تخفي سخطاً عميقاً، لأقول: نعم، قررت أن أكون وكيلاً، لكن لم يخبرني أحدٌ أن نصف وقتي سيُقضى في البحث عن طالبٍ هارب من الطابور أو الحصة، والنصف الآخر في البحث عن معلمٍ غادر قبل موعد مناوبته. كما لم يُنبهني أحدٌ إلى أن باب مكتبي سيُطرق باستمرار: طالبٌ فقد كتابه، آخر تشاجر مع زميله، ثالثٌ يحتاج ورقة دخول متأخر، أو ورقة استئذان للخروج بناءً على طلب والده. أعيش بين نداء الطابور وضجيج الحصص ومشاكل الطلاب، كمن يقف وسط إعصارٍ بابتسامةٍ صامدة، وأدير معركةً يومية أسميها "النظام". أدركتُ أن الوكالة ليست ترقية، بل تضحيةٌ مقنّعة. تحولتُ من معلمٍ يصارع المنهج داخل الفصل إلى وكيلٍ يصارع النظام، كمن يصارع الأحلام. الوكيل ليس إدارياً يجلس في برجٍ عاجي، بل رجل ميداني يعيش في قلب الحدث، يطفئ الحرائق قبل أن تشتعل، ويصلح الجدول قبل أن ينهار، ويعيد النظام قبل أن تُخترق تعليماته. إنّه رجلٌ متعدد المهام: إداريٌّ في الصباح، مصلحٌ للطابعات قبل الفسحة، وسياسيٌّ بين الفصول، وجنديٌّ في معركة بلا هدنة، وبطلٌ في مسلسلٍ لا تنتهي حلقاته. والوكيل الحقيقي لا يُقاس بما يُنجزه على الورق، بل بما يُرمّم من علاقاتٍ، وما يُصلح من أخطاءٍ، وما يُعيده من توازنٍ بين التعليم والتربية، وبين الانضباط والرحمة.

الكلمات الدلالية: # وكيل مدرسة # تجربة وكيل # النظام المدرسي # تحديات التعليم # الإدارة المدرسية # كواليس المدرسة # معلم # طلاب