سعودي 365
الأربعاء ١٨ فبراير ٢٠٢٦ | الأربعاء، ١ رمضان ١٤٤٧ هـ
عاجل

التوثيق الشفوي.. رئة التاريخ وعماد الذاكرة الوطنية

التوثيق الشفوي.. رئة التاريخ وعماد الذاكرة الوطنية
عبد الفتاح يوسف
منذ 3 أسبوع
10
لا يُعدّ التوثيق الشفوي والتدوين طرفين نقيضين، بل هما شريكان أساسيان في تشكيل التاريخ المعاصر، حيث يتعاونان في كتابة أحداثه وصون تفاصيلها لتقديمها لنا بشكل مكتمل وصحيح. على عكس ما يعتقده البعض، فإن الروايات الشفوية والمصادر المدونة لم تكن في صراع من أجل الهيمنة على كتابة التاريخ، بل حملت معاً أمانة الحفاظ عليه. فالرواية الشفوية وثّقت ما فات التدوين من أحداث، بينما سجل التدوين مراحل تاريخية هامة خوفاً من النسيان والضياع. لقد لعب هذان المصدران دوراً محورياً وتكاملياً في صناعة التاريخ المعاصر. ومع ذلك، يبدو أن البعض قد أخطأ في فهم هذا التكامل، حيث تم تهميش الرواية الشفوية واعتماد المصادر المدونة كأداة رئيسية في عملية التدوين، في حين انحاز آخرون للروايات الشفوية وأهميتها كمخزون ثقافي لا يمكن إغفاله. إن ما يحمله التوثيق الشفوي من قصص وروايات وشهادات ومرويات نادرة حفزني شخصياً لتتبع مساراته واقتفاء أثره. ومن خلال الاطلاع والاستقصاء، وقفت على دوره المؤثر وجمعت معلوماته، حتى تحول البحث عن رواياته وشهاداته إلى شغف داخلي، وأصبح الفوز بقصصه ومروياته النادرة بمثابة رهان للنجاح ومسؤولية مهنية. من خلال العمل عن قرب في المركز الشفوي بدارة الملك عبد العزيز، رأيت التوثيق الشفوي بعين الباحث "كرئة حياة" تجدد دماء التاريخ وتضمن استمرارية الذاكرة وبقاءها. لقد أعادت الدارة، ممثلة بمركزها الحيوي، للقوة التاريخ الشفوي مكانته وعظّمت من دوره وتأثيره، وجعلته يقف على قدم المساواة مع التدوين كمصدرين أساسيين للتاريخ. لم تقتصر جهود الدارة على حفظ كنوزها المكتوبة أو المسجلة لمعاصرين شهدوا أحداثاً تاريخية مؤثرة، بل أطلقت مبادرات متنوعة لتوثيق الذاكرة الوطنية وعززتها بفعاليات تبني الوعي بقيمة الرواية الشفوية وأهميتها. على خط متوازٍ، كان لإمارة منطقة المدينة المنورة دور بارز بعد إطلاقها مبادرة التوثيق الشفوي لتاريخ المدينة، والتي انطلقت في عام 1439هـ، بتوجيه من صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود. حازت مبادرة توثيق تاريخ المدينة اهتماماً كبيراً لأثرها وأهدافها التي سعت إلى تأصيلها، ومنها صون المكتبة الوطنية، وتوثيق الشخصيات العلمية والاجتماعية، وخدمة موروث المدينة المنورة، وتكوين مصدر تاريخي موثوق. هذه الجهود، التي قدمها خبراء ومختصون، أثرت رافد التاريخ الشفوي وشكلت قصصه ورواياته التي ساهمت بفاعلية في بناء تاريخ الوطن. لقد عشت مع التاريخ الشفوي شهوراً كانت الأكثر إمتاعاً، حيث اقتربت من قصص لم تتسع لها كتب التدوين، لكنها حملت تأثيراً عميقاً. وتساءلت كثيراً عن قيمة رواية شاهد على عصر، أو قصة يحكيها معاصر لحدث، أو رواية يقدمها خبير في العادات والتقاليد في ميزان التاريخ. إن هذه الروايات الشفوية أشبه بكنز معلوماتي، أكملت فجوات في صفحات التاريخ، وكانت ضرورية لفهم أعمق لماضينا.

السعودية - سعودي 365

الكلمات الدلالية: # التوثيق الشفوي، التاريخ، الرواية الشفوية، التدوين، دارة الملك عبد العزيز، إمارة المدينة المنورة، الذاكرة الوطنية، المصادر التاريخية