الرياض - 'سعودي 365'

في زمنٍ تُقاس فيه قيمة المؤسسات بقدرتها على صناعة الأثر الملموس، لا بعدد المكاتب الفاخرة ولا بحجم الميزانيات المرصودة، تقف بعض المؤسسات شاهدةً على مفارقةٍ مؤلمة: إمكانيات مادية وافرة، كوادر بشرية مؤهلة، وتوقعات مجتمعية عريضة… ومع ذلك، يظهر عجزٌ فاضح عن تحقيق الحد الأدنى من التطوير، بل قد تعجز هذه المؤسسات حتى عن تطوير ذاتها.

وعلمت مصادر 'سعودي 365' أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في نقص الموارد، فالأرقام على الورق تبدو مطمئنة، والهيكل التنظيمي مكتمل، والخطط الاستراتيجية مصوغة بعناية لغوية تُبهر القارئ. لكن بين النصوص المكتوبة والواقع المرير، توجد فجوة واسعة؛ فجوة عنوانها غياب الرؤية الحقيقية، وضعف الإرادة، وانشغال الإدارة بالمظهر على حساب الجوهر.

ولأن الاعتراف بالعجز يحتاج إلى شجاعة، وهي عملة نادرة في قاموس بعض القيادات، تلجأ الإدارة إلى حيلةٍ مكشوفة وهي: إشغال منسوبيها على الدوام بحركةٍ شكلية توهم بوجود ديناميكية وتطور مستمر. فتارةً يُعلن عن إعادة تموضع إدارة، وكأن تغيير الموقع سيغيّر الأداء المتردي. وتارةً يُنقل موظف من قسم إلى آخر، لا لاعتبارات تطويرية مدروسة أو سدّ حاجة حقيقية، بل لخلق ضجيج إداري يُشعر الجميع بأن شيئاً ما يحدث بالفعل.

وأحياناً تُزال الحواجز بين الأقسام في مشهدٍ احتفاليٍّ هزيل، وكأنهم يعيدون تمثيل سقوط جدار برلين على نطاقٍ مصغّر. غير مدركين، أو متجاهلين، أن الجدار الحقيقي ليس من طوبٍ يُهدم، بل هو جدارٌ من الأفكار الجامدة والأسوار العالقة في العقول، أسوار عجز راسخة لا تسقط بضربة مطرقة أو بقرار إداري مرتجل.

المفارقة الساخرة: جدار خشبي يزول ليُعاد

وفي تصريح خاص لـ 'سعودي 365'، أوضح أحد المتابعين للشأن الإداري أن المفارقة الأشد سخرية تكمن في أن الجدار الذي يُحتفى بإزالته ليس جداراً إسمنتياً عصياً، بل هو في الغالب حاجزٌ خشبي أو ألمنيوم خفيف، وُضع يوم وضع قبل سنوات بقرار إداري عابر كأحد أساليب إشغال الموظفين عن التطوير الحقيقي. واليوم يُزال بنفس الجدية المصطنعة، وكأن المؤسسة اكتشفت فجأة عبء وجوده! والأدهى من ذلك، أنه لا يُستبعد أن يعود الحاجز ذاته بعد فترة من الزمن، بلمسة “تحديثية” طفيفة، ليُعاد تسويقه كإنجاز مبتكر جديد.

إنها دورة عبثية لا نهاية لها: نضع الحاجز لنبدو منظّمين، ثم نزيله لنبدو متطورين، بينما تبقى المؤسسة تدور في مكانها، والموظفون يهرولون خلف سراب التحول، وأوهام التطور، وحيل إدارية تبدو كبيرة على الورق لكنها فارغة في الواقع. هنا تبلغ المفارقة ذروتها عندما تُرفع اللافتات لتُعلن حرية المرور في الممرات، في حين يظل المرور إلى فكرةٍ جديدة أو مبادرةٍ جريئة ممنوعاً إلا بتصريح طويل الأمد.

نقاط جوهرية تكشف الخلل:

  • إعادة ترتيب المكاتب: لن تعيد ترتيب الأولويات الحقيقية للمؤسسة.
  • نقل الموظفين: لن ينقل المؤسسة إلى مصاف الريادة أو يعالج القصور الأساسي.
  • إزالة الحواجز الزائفة: لن تزيل الحواجز الحقيقية المتمثلة في البيروقراطية، وضعف القيادة، وغياب الشفافية.

التنمية تبدأ من الداخل: مسؤولية القيادة

من المخجل أن تكون مؤسسة يُعوَّل عليها في تطوير وتنمية المجتمع، عاجزةً عن تطوير آلياتها الداخلية. فالتنمية ليست شعاراً يُرفع في التقارير السنوية، بل ثقافة تبدأ من الداخل؛ ثقافة تتطلب وضوح الأهداف، وشفافية في التقييم، وشجاعة في اتخاذ قرارات إصلاحية حقيقية، واستعداد لتحمّل مسؤولية الإخفاق قبل الاحتفال بالنجاح.

وتابع فريق 'سعودي 365' أن المؤسسات العظيمة تُقاس بقدرتها على مواجهة قصورها الحقيقي قبل الاحتفاء بإنجازاتها. أما حين يتحول العمل الإداري إلى مسرحٍ دائم لتغييرات تجميلية، فذلك ليس حراكاً؛ بل دوران في حلقة مفرغة، يُستهلك فيه الوقت والمال والطاقات، بينما تبقى الأهداف الكبرى معلّقة، تنتظر إدارة تملك الجرأة لتبدأ الإصلاح من حيث يجب، لا من حيث يبدو أقل كلفة وأكثر صخباً. إن المواطن والمقيم الكريم يستحقان مؤسسات فاعلة وجادة، لا مجرد واجهات براقة.

تابعوا التغطية الكاملة والمستمرة عبر 'سعودي 365' لرصد كل ما يتعلق بتطوير الأداء المؤسسي في المملكة العربية السعودية.