فلسفة التعليم الجامعي في المملكة: بين الطموح وواقع الاحتياج
في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار نحو قرار جامعة الملك سعود بتعليق بعض التخصصات الإنسانية، يُعيد هذا النقاش المهم إحياء فلسفة التعليم الجامعي التي طالما كانت محط اهتمام الخبراء والمفكرين. وكما علمت مصادر 'سعودي 365'، فإن هذا القرار، وإن بدا جريئًا للبعض، يمثل حلقة في سلسلة من التساؤلات الجوهرية التي طرحها رائد الفكر التنموي، الدكتور غازي القصيبي (يرحمه الله)، في كتابه 'مقالات عربية' الصادر عام 1982. إن رؤيته الثاقبة قبل عقود لا تزال تحمل في طياتها مفاتيح فهم تحديات الحاضر ورسم ملامح المستقبل لوطننا الغالي تحت قيادة سيدي خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين، حفظهما الله ورعاهما.
يتناول هذا التقرير الحصري ثلاثة أسئلة محورية طرحها القصيبي، والتي لا تزال تشكل حجر الزاوية في أي حوار حول مستقبل التعليم العالي في المملكة:
- مَن الذي نقبله في الجامعة؟
- ما أهداف التعليم الجامعي الحقيقية؟
- ما هو الدور المنوط بالجامعة في خدمة المجتمع؟
مَن يلتحق بالجامعة؟ مراجعة شاملة لسياسات القبول
يمثل السؤال الأول معضلة جدية وهامة للغاية، تتطلب إجابة واضحة وشجاعة. يعتقد البعض أن أي شخص أنهى المرحلة الثانوية يحق له الالتحاق بالجامعة، وهو مبدأ طبقته بعض الدول العربية وفتحت أبواب جامعاتها على مصراعيها. وكانت النتيجة زيادة سريعة في أعداد الخريجين، مما أدى إلى أزمة حقيقية في توفير الوظائف لهم، خاصة لخريجي التخصصات النظرية. لقد وصل الأمر في بعض الدول إلى أن خريجي القانون يعملون ككتبة، وخريجي الجغرافيا يدرسون اللغة العربية، وخريجي الفلسفة وعلم الاجتماع يتجهون نحو وظائف تجارية كـ الاستيراد والتصدير.
اقرأ أيضاً
- حصري لـ 'سعودي 365': الفيصلي يعود لدوري روشن.. مسيرة الأبطال من الهبوط إلى القمة
- حصريًا لـ سعودي 365: «تويستد مايندز» السعودي يصل باريس مستعدًا لصناعة التاريخ في «ميجر روكيت ليج» العالمي
- ثامر القادسية يخطف لقب «الميجر 2026»: إنجاز تاريخي يعزز مكانة المملكة في الرياضات الإلكترونية
- حصري لـ 'سعودي 365': أرتيتا يتفائل بعودة تيمبر قبل نهائي الأبطال وأزمة الظهير الأيمن تتصاعد في أرسنال
- حصرياً لـ 'سعودي 365': بويت يكشف خطة الخليج لتحسين مركزه بدوري روشن أمام الأخدود
اليوم، هناك من يطالب في المملكة العربية السعودية باتباع السياسة نفسها، بحجة الحاجة إلى جميع أنواع المؤهلات، وأن التعليم حق للجميع، وأن الشهادة الجامعية تُحسن المستوى المعيشي للفرد. لكن فريق 'سعودي 365' يؤكد على ضرورة التمييز بين حق التعليم العام وحق التعليم الجامعي، الذي يتطلب استعدادات وقدرات خاصة.
إن الحجة القائلة بحاجتنا إلى أشخاص مؤهلين، على الرغم من صحتها، تُستخدم بطريقة عامة وغير دقيقة لدرجة أصبحت عبارة مكررة لا تحمل معنى واضحًا. بالطبع نحن بحاجة إلى الكفاءات، ولكن الأولوية في مرحلة التطور الراهنة تختلف. إن حاجتنا الأساسية ليست للمهارات النظرية أو الأدبية فحسب، بل للمؤهلات العملية والتقنية. بل إننا بحاجة ماسة إلى الممرضات أكثر من الأطباء، وإلى العمال المهرة أكثر من المهندسين، وإلى الكتبة ومسّاحي الأراضي أكثر من كتّاب الاقتصاد.
الحديث عن فتح أبواب الجامعة بحجة زيادة عدد المؤهلين حديث مضلل إذا كان الخريجون غير مؤهلين بالشكل الذي يحتاجه سوق العمل الحقيقي والخطط التنموية للمملكة، ومنها رؤية 2030 الطموحة التي تركز على اقتصاد المعرفة وتوطين الصناعات والتقنيات. الكثير من المؤهلات التي نحتاجها موجودة خارج أسوار الجامعات، في مجالات الحرف والصناعات والتدريب التقني والمهني.
نزع البريق عن الشهادة الجامعية: تقدير الكفاءات المهنية
من السهل الاتفاق على أن التعليم حق للجميع، ولكن السؤال الحقيقي هو: أي نوع من التعليم؟ يجب أن تتاح لكل فرد فرصة الحصول على تعليم يتوافق مع فرص العمل، ومع مواهبه وقدراته، ومع احتياجات المجتمع. ولا أحد يدعو إلى منع من يمتلك المؤهلات والشغف لأن يصبح طبيبًا أو مهندسًا.
ومع ذلك، يصر الكثيرون على أن تفتح بقية الكليات أبوابها للجميع، وكأن دراسة العلوم الطبيعية والإنسانيات لا تتطلب مستوى عقليًا معينًا أو قدرًا من الانضباط الذهني. والحقيقة أن التعليم الجامعي يحتاج إلى عقلية خاصة لا تتوفر لدى جميع خريجي الثانوية. والإصرار على قبول طلاب يفتقرون إلى هذه القدرات سيؤدي إلى إحدى نتيجتين: إما أن يجرب هؤلاء الطلاب حظهم ثم يتركون الجامعة بمرارة، أو أن نضطر إلى خفض المستوى العام للتعليم الجامعي حتى يتمكن الجميع من التخرج، وهو ما يؤثر سلبًا على جودة التعليم ومخرجاته.
إن الطريق الأكثر شرفًا وفائدة للطالب الذي لا تتناسب مواهبه وقدراته مع الدراسة الجامعية هو التوجه إلى التدريب الفني والمهني، بحيث يحصل على تعليم يتوافق مع إمكاناته الفردية ويسد حاجة سوق العمل. بل من الأفضل ألا ننتظر حتى نهاية المرحلة الثانوية قبل توجيه عدد من الطلاب نحو هذه المسارات الواعدة.
تبقى الحجة الثالثة: وهي الدعوة إلى فتح أبواب الجامعة للجميع بحجة أن الحصول على شهادة جامعية يُحسن الوضع الاجتماعي والمادي للفرد. ولا شك أننا - كمجتمع ودولة - نبالغ في تقدير قيمة الشهادة الجامعية إلى درجة تدفع الشباب إلى السعي وراءها بدلًا من الالتحاق بالمدارس الفنية والمهنية. لقد حان الوقت، كما يرى الكثير من الخبراء الذين تحدثوا لـ 'سعودي 365'، لأن نزيل البريق غير المبرر عن الشهادة الجامعية، وأن ننظر باحترام وتقدير إلى شهادات الكفاءة في الحرف والصناعات، وأن نكافئ أصحابها ماديًا بما يوازي ما يحصل عليه زملاؤهم الجامعيون؛ فهذا النهج سيكون أكثر فائدة للمجتمع من الاستمرار في تمجيد الشهادة الجامعية واحتقار ما دونها. إن تقدير قيمة العمل اليدوي والمهني هو ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة وتنويع مصادر الدخل الوطني.
أهداف التعليم الجامعي: من التلقين إلى بناء المهارات الحيوية
ماذا يجب أن تقدمه الجامعة لطلابها؟ إعادة تعريف الدور
هناك نقطة ثانية تستحق الاهتمام، وهي تتعلق بأهداف التعليم الجامعي. يعتقد البعض أن هدف الجامعة هو تزويد الطلاب بقدر محدد من المعرفة لضمان وصولهم إلى مستوى الشهادة عبر الامتحانات. لكن الحقيقة أنه لو كان هذا هو الهدف من التعليم الجامعي، لوجب علينا أن نعيد النظر في نظامنا ونقرر ما نحتاج إليه من تعديل وتحسين.
في رأي الدكتور غازي القصيبي، والذي تدعمه رؤية 'سعودي 365'، فإن هدف التعليم الجامعي ليس مجرد تزويد الطالب بكمية من المعلومات - فهذه مهمة يمكن تركها للكتب المرجعية والموسوعات - بل تزويده بمهارة محددة في مجال تخصصه. فليس مهمًا أن يعرف طالب القانون جميع القوانين والأنظمة عن ظهر قلب، بل المهم أن يكتسب خلال دراسته القدرة القانونية والبصيرة التحليلية التي تمكنه من فهم القانون وتفسيره وتطبيقه. وليس مهمًا لطالب الطب أن يحفظ جميع المصطلحات اليونانية، بل المهم أن يكتسب عقله ويداه المهارات اللازمة التي تمكنه من تشخيص الأمراض ومعالجتها ومتابعة التطورات الطبية. وكذلك ليس من المهم للاقتصادي أن يحفظ الصيغ والمعادلات والإحصاءات، بل المهم أن يمتلك أفكارًا واضحة حول الاتجاهات الاقتصادية والعوامل المؤثرة فيها وتفاعلها مع المجتمع.
إن هذه النقطة ليست نظرية فحسب، بل لها أهمية عملية كبيرة. فإذا كان الهدف مجرد تزويد الطلاب بالبيانات، لأمكننا ملء كل صف بمئات الطلاب دون فرض أي شروط للجدية، ولما كانت هناك حاجة لأي بحث. ولكن إذا كان الهدف هو تزويد الطلاب بمهارات محددة قابلة للاستخدام، فيجب أن يُحدّ عدد الطلاب في كل صف بحيث يسمح بالنقاش وتبادل الآراء. ويجب أن تكون هناك مواظبة منتظمة، ومستوى جيد من الجدية، وامتحانات دورية لتقييم - ليس كمية المعلومات - بل مدى تطبيق الطالب وجهده. كما يجب أن يكون البحث عنصرًا أساسيًا في المنهج لتدريب الطلاب على التفكير النقدي والتحليلي.
دور الجامعة في بناء المجتمع: قيادة التقدم والمشاركة الفاعلة
الجامعة شريك فاعل في مسيرة التنمية الوطنية: منظور 'سعودي 365'
لم نتحدث بعد عن دور الجامعة في المجتمع. حتى الآن، انشغلت جامعاتنا بما اعتقدت أنه المهمة الأساسية: إنتاج الخريجين، وأهملت دورين مهمين آخرين ينبغي للجامعات أن تضطلع بهما، وهما:
أخبار ذات صلة
- مصادر "سعودي 365": المملكة تتصدى لتهديدات إرهابية.. اعتراض وتدمير 10 مسيّرات وصاروخ باليستي
- السعودية تعيد اكتشاف كنوزها: من شموخ طويق إلى عراقة العلا.. قصة تحول ثقافي وسيادي
- المعهد الملكي للفنون التقليدية 'ورث' يحقق الاعتماد المؤسسي الكامل.. 'سعودي 365' ترصد التفاصيل
- دعاء اليوم السابع من رمضان: استجلب رحمة الله وبركته في العشر الأوائل
- موضة ثريات المجالس 2026: وداعًا للتصاميم القديمة واستقبال اتجاهات الإضاءة الحديثة - سعودي 365
- قيادة التقدم العلمي في البلاد.
- المشاركة الفعلية والنشيطة في إعادة تشكيل المجتمع وحل مشكلاته الاجتماعية.
ومن الواضح أن هذه النقطة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالنقطتين السابقتين: فالجامعة التي لا تفرض أي مستوى فكري على من يرغبون في الالتحاق بها، والتي تكتفي بتلقين طلابها البيانات - مثل هذه الجامعة تهدر مواردها المحدودة. ومثل هذه الجامعة ستضع التركيز مرة أخرى على المحاضرات وتصحيح الأوراق، من دون أن تترك للمحاضرين وقتًا للبحث العلمي أو النقاش أو المشاركة في شؤون المجتمع.
إن الممارسة السليمة تقتضي أن يخصص عضو هيئة التدريس جزءًا من وقته لإلقاء المحاضرات، ويقضي بقية وقته في المكتبة أو في البحث أو في العمل مع إحدى الوزارات والجهات المعنية. كما تقتضي الممارسة السليمة أن تلعب كلية التجارة دورًا رائدًا في البحوث الاقتصادية والإدارية، وأن تُسمَع آراء كلية الزراعة في كل ما يتعلق بالشؤون الزراعية، وأن يشارك أساتذة القانون في النقاشات المتعلقة بقوانيننا وصياغتها وتفسيرها. وينبغي لأساتذة الاقتصاد أن يشاركوا في وضع الخطط الاقتصادية والمالية للدولة، ولأساتذة الأدب أن يساهموا في توجيه الحركة الأدبية في البلاد.
فالجامعة ليست حلزونًا يعيش داخل صدفته غارقًا في سبات أكاديمي عميق. الجامعة جزء حي من المجتمع الذي أنشأها ويدعمها، وروابطها بالمجتمع تفرض عليها خدمة تتجاوز طقوس المحاضرات والتصحيح والنجاح والرسوب. يجب أن تكون منارة للابتكار ومركزًا للحلول التي تخدم المواطن والمقيم على حد سواء، وتدعم مسيرة التنمية الوطنية الشاملة.
وباختصار، هناك فلسفتان للتعليم الجامعي: الأولى التي تتبعها معظم الدول العربية وتقوم على قبول الجميع وتلقينهم المعلومات. والفلسفة الثانية التي تدعو إليها رؤية القصيبي، وتدعمها تطلعات المملكة، وهي ترتكز على القبول الانتقائي، التركيز على تطوير المهارات، والمشاركة الفاعلة في بناء المجتمع. إن التحديات التي تواجه التعليم العالي في المملكة كبيرة، ولكن الإرادة والرؤية الطموحة لقيادتنا الرشيدة، حفظها الله، كفيلة بتحويل هذه التحديات إلى فرص لتحقيق قفزات نوعية. وفي ختام هذا التقرير الحصري لـ 'سعودي 365'، نؤكد أن مستقبل أبنائنا وبناتنا يستدعي منا جميعًا، من جهات تعليمية وصانعي قرار وأولياء أمور، العمل بروح واحدة لضمان أن يكون التعليم الجامعي في المملكة العربية السعودية منارة للابتكار، ومصنعًا للكفاءات التي تخدم الوطن والمواطن على حد سواء.