الرياض - في تحليل معمق يستعرضه فريق 'سعودي 365'، يأتي الزمن الحالي ليفرض علينا إعادة تعريف مفاهيم جوهرية كـ "العدو" و"الصديق"، مبتعدين عن الأيديولوجيات والشعارات الرنانة، لنؤسس مواقفنا على معايير موضوعية وثابتة. لطالما شكلت هذه المفاهيم حجر الزاوية في تحديد مواقف المجتمعات، إلا أن الخطاب السياسي والإعلامي العربي قد جعل منها مفاهيم متغيرة، تتأثر بالتوجهات اللحظية أكثر من استنادها إلى حقائق راسخة.

التحول من الشعارات إلى المعايير

في تصريح خاص لـ 'سعودي 365'، يؤكد خبراء التحليل السياسي أن الشعارات، رغم دورها في حشد المواقف، غالباً ما تختزل تعقيدات الواقع في عبارات بسيطة، مما يخلق وهماً بالوضوح. تتفاقم المشكلة حين يصبح الشعار بديلاً عن التفكير النقدي، ويُستخدم كأداة لتصنيف "العدو" و"الصديق" دون تمحيص للوقائع أو سياق الأحداث. ويحذر فريق 'سعودي 365' من أن هذا التكرار للشعارات يحولها إلى قوالب جاهزة لتفسير الأحداث، مما يطغى فيه الانفعال على التحليل، وتُستبدل المعايير الثابتة بالشعارات المتغيرة.

تأثير الإعلام والبيئة الرقمية

  • التعريف المبني على السرد لا الفعل: غالباً ما يُعرّف "العدو" بناءً على السرديات السائدة، و"الصديق" وفقاً للشعارات، وليس بناءً على السلوك الفعلي على أرض الواقع. وهذا النمط يفتح الباب أمام اضطرابات في المواقف، حيث يمكن أن يتحول خصوم الأمس إلى حلفاء اليوم، والعكس صحيح، دون مراجعة نقدية حقيقية.
  • دور السلطة والخطاب المهيمن: كما أشار ابن خلدون، فإن "الناس على دين ملوكهم"، مما يعني أن المفاهيم تُعاد تشكيلها عبر السلطة والخطاب المهيمن.
  • سرعة الانتشار في البيئة الرقمية: ساهمت البيئة الرقمية في تسريع وتيرة الأحكام، حيث تنتشر المعلومات بسرعة دون تحقق كافٍ، وتُعاد تداولها في إطار عاطفي مكثف، مما يعزز الاستقطاب ويضعف القدرة على بناء مواقف متوازنة.
  • تضخيم الأحكام السطحية: تمنح وسائل الاتصال الحديثة الصوت لمن يفتقرون لأدوات المعرفة العميقة، مما يضاعف من انتشار الأحكام السطحية في القضايا المعقدة، وقد يؤدي إلى فقدان البصيرة وخلق عداوات غير مبررة.

معايير جديدة لبناء وعي متماسك

لتحقيق وعي أكثر تماسكاً، يتطلب الأمر الانتقال من منطق الشعارات إلى منطق المعايير، وهي كالتالي:

اقرأ أيضاً

المعيار الأول: الفعل الملموس

تقييم الأطراف بناءً على ما تقوم به لا ما تقوله. الفارق بين الخطاب والممارسة هو نقطة محورية. فكثير من الخطابات السياسية تُقدم بلغة أخلاقية عالية، لكن الواقع يكشف عن مصالح مختلفة تقود هذا الخطاب، وهو ما يتفق مع رؤية ميكيافيلي بأن السياسة تُدار وفق الضرورة لا المُثل. ويشير بيير بورديو في كتابه "اللغة والسلطة الرمزية" إلى أن اللغة قد تُستخدم لإخفاء التناقض بين ما يُقال وما يُفعل، مما يجعل القراءة النقدية ضرورية لفهم المعنى الحقيقي.

المعيار الثاني: المصلحة الوطنية

النظر إلى تأثير الفاعل على استقرار المجتمع وتنميته. هذا المعيار لا يرتبط بالعاطفة، بل بالنتائج الملموسة. وكما عبّر هنري كيسنجر، فإن العلاقات الدولية تقوم على مصالح دائمة، لا صداقات أو عداوات دائمة. إنها تحويل الحكم من موقف وجداني إلى تقييم عقلاني.

المعيار الثالث: الاستمرارية الزمنية

قراءة سلوك الأطراف في سياقه العام، لا الاكتفاء بحالة واحدة. المواقف الآنية قد تكون مضللة. الفاعل الذي يبدي موقفاً إيجابياً اليوم قد يكون له تاريخ مختلف أو سلوك متكرر في اتجاه معاكس. الحكم الموضوعي الصحيح يتطلب رؤية شاملة.

دور الإعلام في تشكيل الرؤى

يبرز دور الإعلام كوسيط رئيسي في تشكيل صورة "العدو" و"الصديق". غالباً ما يتم تأطير الأحداث بطريقة تدفع الجمهور لتبني تفسير معين، عبر التركيز على جوانب محددة وإهمال أخرى. وتدعم نظرية التأطير الإعلامي هذه الفكرة، حيث تؤثر طريقة عرض القضية في إدراكها وتقييمها. وانسجاماً مع ما طرحه والتر ليبمان، يتعامل الجمهور مع "صور ذهنية" يصنعها الإعلام أكثر مما يتعامل مع الواقع نفسه.

أخبار ذات صلة

إن بناء وعي عربي جديد يتطلب تأسيس موقف قائم على فهم أعمق للواقع، وذلك عبر إعادة النظر في تعريف المفاهيم الأساسية مثل "العدو" و"الصديق"، لتستند إلى معايير واضحة بدلاً من ردود الفعل الآنية. ويجب تطوير المهارات التحليلية لدى الأفراد لتمكينهم من قراءة الأحداث خارج إطار الدعاية والانفعال.

ويظل البعد الأخلاقي حاضراً، فكما يؤكد القرآن الكريم: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾. إن إعادة تعريف "العدو" و"الصديق" تمثل خطوة أساسية نحو بناء وعي أكثر استقراراً، وهذا التعريف لا يمكن أن يقوم على الشعارات، بل على معايير تتعلق بالفعل والمصلحة والاستمرارية. وفي ظل التحولات المتسارعة، يصبح التمسك بهذه المعايير ضرورة لتوفير إطار يمكن من خلاله فهم الواقع دون الوقوع في التبسيط أو التذبذب. تابعوا التغطية الكاملة عبر 'سعودي 365'.