التعطيش الزراعي، وهو مصطلح شائع في عالم الزراعة، يعني منع الماء عن الشيء، ويُستخدم بشكل كبير عند الحديث عن النباتات. يتساءل الكثيرون حول ما إذا كان النبات يعطش مثل الإنسان عند منع الماء عنه، وهل يمتلك مصادر أخرى للحصول على الماء، وهل يفقد الماء عن طريق الإخراج أو التعرق؟ بلا شك، النبات كائن حي يتميز بصفات الحياة والأنشطة الحيوية التي تتأثر بالعوامل المناخية والفلكية، ويحاول التكيف معها بشتى الطرق الممكنة.
لنكن أكثر تحديدًا ووضوحًا. بعد جني ثمار أشجار الفواكه وانتهاء فصل الخريف بتساقط أوراقها، يترك المزارعون تلك الأشجار بلا سقاية لمدة قد تصل إلى أربعة أشهر، كما هو الحال مع الرمان والعنب خاصة. في هذه الفترة، تكون الأشجار قد فقدت أوراقها التي كانت تفقد الماء بعملية النتح، وهي عملية تساعد أيضًا على امتصاص الماء من التربة عبر الجذور ثم الساق والفروع إلى الورقة. بسقوط الأوراق تمامًا، تقل عملية النتح ويضعف حركة الماء داخل النبتة.
هنا، تدخل الشجرة في حالة كمون تام؛ فالظروف الداخلية والخارجية لا تساعدها على النشاط، بل تميل إلى الركود والترقب الدقيق لتحسن الظروف ثم العودة للنشاط. يدرك المزارع هذه العملية ويمتنع عن سقي أشجاره، رغم أنها قد تحصل على القليل من الماء من رطوبة التربة أو الجو. لا يقتصر الأمر على عدم السقي، بل قد يعمل المزارع على منع وصول الماء إلى الشجرة.
لتوضيح ذلك، نركز على ثلاثة عوامل أساسية لتنشيط العمليات النباتية وزيادة مردودها:
1. **الماء:** عمل المزارع على تقليل وصول الماء إليه، لأن الماء وحده محفز للنشاط، وهذا غير مجدٍ أو ليس وقته في غياب عوامل أخرى.
2. **الدفء (درجة الحرارة المناسبة):** العامل الأهم الذي يسمح بحدوث النشاط التفاعلي (الكيميائي) داخل النبات. إذا، لا جدوى من وجود الماء في غياب عوامل أخرى.
3. **الأملاح المغذية:** وجود الأملاح الضرورية لنمو الشجرة.
بالإضافة إلى عامل مساعد مهم وهو **الضوء**.
العنصر الأساسي من هذه العوامل هو درجة الحرارة، والتي لا يستطيع الإنسان التحكم فيها في الظروف العادية. لذلك، يدع المزارع سقيا أشجار الفواكه متساقطة الأوراق حتى تعود درجة الحرارة إلى المستوى المطلوب الذي يساعد بشكل فعال على التفاعلات والعمليات داخل النبتة.
يستغل المزارع الناجح وقت الكمون للنبات في أعمال الصيانة مثل تنظيف الأحواض، وعزقها، وتهويتها، وتقليم وترتيب الشجرة، وعمل الدعم اللازم لها. يراقب المزارع انتهاء البرد وبداية الدفء الصيفي، وعند حصول هذا الدفء اللازم، يبدأ بسقاية الأشجار في عملية تسمى 'عملية الإنعاش'، وبكميات محددة ومناسبة لإتمام الأنشطة النباتية.
تكون فترة التعطيش عادة في أشهر ديسمبر ويناير وفبراير في منطقة الطائف، عندما تكون أشعة الشمس عمودية على القسم الجنوبي من الكرة الأرضية ومائلة على القسم الشمالي، مما يؤدي إلى قصر فترة الاستضاءة. هذه الفترة مهمة لعملية البناء الضوئي التي يصنع بها النبات غذاءه.
مع تحسن درجة الحرارة ومدة الاستضاءة في القسم الشمالي من الكرة الأرضية، تبدأ النباتات في النشاط، وتسري المياه في الأغصان، وبروز البراعم الورقية والزهرية، وتستمر في النمو. لو حدث انخفاض مفاجئ في درجة الحرارة، قد تتساقط الأزهار وتتأثر الأوراق، وربما يحدث تشوه في النمو.
لذا، فإن المزارع شديد الحرص والحساب، ويتابع الأرصاد الجوية والفلكية لتجنب مخاطر مناخية قد تضر بمزروعاته وتسبب خسارة له. يبدو المزارع مهندسًا زراعيًا خبيرًا بالأرصاد والفلك، حتى لو كان مستواه التعليمي متدنيًا، فظروف الحياة دفعت به إلى اكتساب هذه الخبرة القيمة.