في مشهد يسرّ الناظرين ويبعث على الفخر، تتألق جبال السروات الشاهقة في محافظة الطائف هذه الأيام بحُلة أرجوانية آسرة، وذلك بفضل التوسع الملحوظ للمزارعين المحليين في زراعة نبات اللافندر، أو ما يُعرف محليًا بالضرم. هذه الزراعة الواعدة لم تعد مجرد إضافة جمالية للطبيعة الخلابة، بل باتت تشكل رافدًا اقتصاديًا وسياحيًا جديدًا، ينسجم تمامًا مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 الطموحة في تنويع مصادر الدخل الوطني، ودعم المحاصيل الزراعية ذات القيمة المضافة، وتعزيز السياحة البيئية المستدامة التي تخدم المواطن والمقيم.

في تغطية حصرية قام بها فريق «سعودي 365» من قلب الحدث، رصدنا الامتداد الساحر لمزارع اللافندر على قمم جبال الشفا والهدا، حيث تضافرت عوامل فريدة من نوعها لتوفير بيئة مثالية لنمو أجود أنواع اللافندر العالمي. المناخ المعتدل الذي تتميز به الطائف، والتربة الخصبة، والارتفاع الشاهق عن سطح البحر، كلها عوامل أسهمت في هذا النجاح الباهر.

التحول البنفسجي: جبال السروات تتألق باللافندر

لقد بات اللافندر يضفي ملامح جديدة على طبيعة الطائف الساحرة، محولاً المناطق الجبلية إلى لوحات فنية طبيعية تجذب الأنظار وتلهم الروح. هذا التحول ليس مجرد تغيير بصري، بل هو شهادة على الروح الريادية للمزارعين السعوديين الذين استلهموا من تراثهم الزراعي العريق ودمجوه بالرؤى الحديثة لتنمية مستدامة.

اقرأ أيضاً

رؤية 2030: دعم التنويع الاقتصادي والسياحة البيئية

تعتبر زراعة اللافندر في الطائف نموذجًا حيًا لكيفية تحقيق أهداف رؤية المملكة 2030، التي تولي اهتمامًا خاصًا بتطوير القطاعات غير النفطية، وتعزيز السياحة الداخلية والخارجية. اللافندر، بخصائصه المتعددة وقيمته الاقتصادية العالية، يمثل استثمارًا مستقبليًا يفتح آفاقًا جديدة للمملكة تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله.

العوامل المثالية لنمو اللافندر في الطائف

  • المناخ المعتدل: الذي يميز مرتفعات الطائف، ويوفر درجات حرارة مثالية لنمو اللافندر.
  • التربة الخصبة: غنية بالمعادن اللازمة لدعم هذا النبات العطري.
  • الارتفاع الشاهق: الذي يضمن جودة عالية للزيوت العطرية المستخلصة.

قصة نجاح من قلب المزارع: عيضة الطويرقي

وفي تصريح خاص لـ «سعودي 365»، أوضح مالك إحدى مزارع اللافندر، الأستاذ عيضة بن عواض الطويرقي، أن نبات اللافندر يعود موطنه الأصلي إلى سلسلة جبال السروات، وهو ينحدر من عائلة الشفويات التي تضم النعناع والضرم وإكليل الجبل وغيرها من النباتات العطرية المعروفة. وأشار الطويرقي إلى أن التوجه لزراعة هذا النبات العطري جاء نظرًا لقلة استهلاكه للمياه وقدرته العالية على تحمل الظروف المناخية الجبلية القاسية، مما يجعله خيارًا اقتصاديًا ومستدامًا في آن واحد.

اللافندر: بوابة الطائف للسياحة المستدامة وفرص العمل

لم يقتصر نجاح زراعة اللافندر على الجانب الزراعي فحسب، بل امتد ليشمل قطاعات حيوية أخرى.

عامل جذب سياحي فريد

بين الأستاذ الطويرقي أن المزرعة نجحت في توفير تجارب ترفيهية فريدة، ودعم الاقتصاد المحلي من خلال دمج الطبيعة بالثقافة والتراث المحلي. لقد أصبحت حقول اللافندر عامل جذب سياحي بنمط خاص يعرف بـ «سياحة المزارع»، حيث تستقطب آلاف الزوار وهواة التصوير الذين يقصدونها للاستمتاع بالمناظر الطبيعية الخلابة واستنشاق الروائح الزكية. هذا بدوره يعزز من مكانة الطائف كوجهة سياحية عالمية مرغوبة طوال العام، ويساهم في تحقيق مستهدفات الجهات المعنية بتطوير القطاع السياحي.

فرص واعدة للشباب السعودي

وأشار الطويرقي إلى أن زراعة اللافندر في جبال السروات لا تقتصر على الجانب الجمالي فقط، بل تدخل في خطط التنمية الريفية المستدامة، وتفتح فرص عمل جديدة ومبتكرة للشباب السعودي الطموح. وتشمل هذه الفرص مجالات استخلاص الزيوت العطرية، والتسويق الزراعي، وريادة الأعمال في صناعة المنتجات الثانوية المشتقة من اللافندر، مما يدعم توطين الوظائف ويرفع من نسبة مشاركة الشباب في سوق العمل.

أخبار ذات صلة

استثمار 'الذهب البنفسجي': منتجات متعددة وعوائد اقتصادية

وعن طرق استثمار محاصيل اللافندر، عدّ الطويرقي أن استثمار محاصيل هذه النبتة يمثل مشروعًا زراعيًا عالي الربحية بفضل الطلب المرتفع على زيته العطري ومنتجاته، شأنه في ذلك شأن الورد الطائفي الشهير. ويمكن تحقيق أقصى استفادة اقتصادية عبر عدة مسارات:

  • استخلاص الزيوت العطرية: إنتاج زيوت عالية الجودة تستخدم في العطور ومستحضرات التجميل والعلاج بالروائح.
  • تجفيف الزهور للبيع: استخدامها في الديكورات، أو كعنصر عطري في الأماكن المغلقة، أو ضمن خلطات الشاي.
  • صناعة المنتجات التجميلية: مثل الصابون، الكريمات، المستحضرات المرطبة، التي تلقى رواجًا كبيرًا.
  • استخدامات أخرى: زيوتها وأزهارها المجففة تستخدم بشكل واسع كطارد طبيعي للحشرات، وفي صناعة الشموع المعطرة.

ختامًا، يبقى اللافندر "الذهب البنفسجي" محافظًا على مكانته كجسرٍ يربط بين عراقة التراث وتطور الصناعات الحديثة في المملكة. يجمع بين سحر اللون وعمق الفائدة، ليظل أيقونة الجمال والهدوء التي تزين منازلنا وحقولنا، وشاهدًا على سخاء طبيعة بلادنا حين تمنح أجمل ما لديها. ويتابع «سعودي 365» عن كثب كل هذه التطورات التي تسهم في بناء مستقبل مشرق ومزدهر للمملكة وشعبها الكريم.