الكونغو الديمقراطية - سعودي 365 | بقلم: نورة القحطاني

تتفاقم الأزمة الإنسانية في الكونغو الديمقراطية لتلقي بظلالها الثقيلة على حياة الملايين، محولةً مناطق شاسعة إلى ساحات للمعاناة واليأس. ففي قلب هذه الكارثة المتعددة الأوجه، وجدت "آدمز" نفسها، كآلاف الأمهات الأخريات، مجبرة على الفرار مع أطفالها الخمسة إلى أحد مخيمات النزوح، بعد أن توقفت عجلة الحياة تمامًا في قريتها. هذا الواقع القاسي يضع الأسر أمام معادلة صعبة: فقدان مصادر الدخل، النزوح القسري، والصراع المرير لتأمين الغذاء والرعاية الصحية الأساسية.

الوضع في جمهورية الكونغو الديمقراطية ليس مجرد أزمة عابرة؛ إنه مزيج معقد من النزاع المسلح المستمر، موجات النزوح المتتالية، شبح الجوع الذي يهدد الملايين، وتفشي الأمراض الفتاكة مثل الإيبولا. هذه العوامل تتضافر لتقوض قدرة المجتمعات المحلية على الوصول إلى أبسط الخدمات، مما يدفعها نحو حافة الهاوية. وتشير التقديرات الإنسانية إلى أن ما يقارب 26 مليون شخص في البلاد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، منهم ملايين يعيشون في مستويات طوارئ من الجوع الذي يهدد حياتهم بشكل مباشر.

اقرأ أيضاً

لم تعد تداعيات الإيبولا مقتصرة على المصابين بها ومراكز العلاج فقط، بل امتدت لتشل حركة الأسواق، تعطل وسائل النقل، وتعيق الأنشطة الزراعية والتجارية المحلية، مما يفاقم الأزمة الاقتصادية. "باسكال كاناني موكارا"، الذي كان يعيل أسرته المكونة من تسعة أفراد من عمله كسائق دراجة نارية في "مونغبوالو"، وجد مصدر رزقه يتوقف تدريجيًا. فالخوف من العدوى دفع الزبائن إلى تجنب استخدام الدراجات النارية، ليصبح "كاناني" ينتظر لساعات طويلة أحيانًا قبل أن يجد راكبًا واحدًا، مما حول دخله إلى مجرد ذكرى بعيدة، وزاد من صعوبة توفير الطعام والاحتياجات الأساسية لأسرته.

هذه القصة تتكرر في مناطق أخرى من إقليم "إيتوري"، حيث يواجه المزارعون صعوبات جمة في الوصول إلى حقولهم بسبب نشاط الجماعات المسلحة المتزايد. وفي الوقت نفسه، أدت المخاوف المرتبطة بالإيبولا إلى تعطيل الحركة التجارية بشكل كبير، مما أضعف قدرة الأسر على الوصول إلى الأسواق وتأمين احتياجاتها. "غلوريوز"، التي روت قصتها المؤثرة، كانت أسرتها تعتمد على زوجها الذي يزرع الكاكاو والخضروات في منطقة نائية. لكن انتشار الجماعات المسلحة جعل الوصول إلى هذه الحقول محفوفًا بالمخاطر المميتة.

بعد إصابة طفلتها البالغة من العمر ثلاث سنوات، اضطرت "غلوريوز" لمغادرة المنطقة ومرافقة ابنتها إلى مركز علاج الإيبولا، تاركة أطفالها الثلاثة الآخرين لدى إحدى قريباتها. وهكذا، خسرت الأسرة مصدر دخلها وتشتت أفرادها، في خضم مواجهتها لخطر المرض والنزوح. هذا النزوح الجماعي لا يضاعف من هشاشة الأسر فحسب، بل يضع ملايين النازحين في مواقع تفتقر لأبسط الخدمات، وتزداد فيها صعوبة إيصال المساعدات الإنسانية بسبب المخاطر الأمنية المتصاعدة. وأكدت سعودي 365 عبر متابعتها للحدث أن نحو 7 ملايين نازح في مناطق عدة يواجهون العنف والتهديد والاعتقال والتهجير القسري وتدمير المنازل، حتى أن مواقع النزوح نفسها أصبحت عرضة للتوترات الأمنية.

في مخيم "كيغونزي" الذي يؤوي آلاف النازحين، دفعت الحوادث الأمنية الأخيرة عائلات بأكملها إلى مغادرة الموقع، بحثًا عن ملاذ آمن لدى أسر مضيفة. هذا النزوح المتكرر لا يمثل مشكلة إنسانية فحسب، بل يفرض تحديًا صحيًا خطيرًا. فتفرق الأسر وانتقالها المستمر بين مناطق مختلفة يعقد جهود تتبع المخالطين والوصول إلى الأشخاص المعرضين للعدوى، مما يعيق جهود احتواء الأوبئة. وتواجه فرق الإغاثة بدورها صعوبات بالغة في تقييم الاحتياجات وتوزيع المساعدات والحفاظ على خدمات الحماية، خاصة في المناطق التي يتداخل فيها النزاع المسلح مع الاستجابة الصحية.

أخبار ذات صلة

يبقى الأطفال هم الفئة الأكثر عرضة لتداعيات هذه الأزمة الكارثية. فكثير منهم فقدوا آباءهم أو مقدمي الرعاية، بينما يواجه آخرون خطر سوء التغذية الحاد، الانفصال عن أسرهم، وفقدان فرص التعليم والرعاية الصحية. وذكرت منظمة إنقاذ الطفولة أن عشرات الأطفال فقدوا أحد الوالدين أو مقدمي الرعاية الأساسيين منذ إعلان تفشي الإيبولا، بينما فقد آخرون أفرادًا من أسرهم. وفي قصة أخرى مؤلمة، نقل "جاكوس" ابنته البالغة من العمر خمس سنوات إلى المستشفى بعد إصابتها بحمى وقيء دموي، لكنها توفيت بعد وصولها بفترة قصيرة، لتكشف هذه المأساة كيف يمكن أن يتحول ضعف الوصول إلى الرعاية الصحية في مناطق تعاني أصلاً من النزوح والفقر وانهيار الخدمات، إلى مسألة حياة أو موت بالنسبة للأطفال الأبرياء.

تقدر منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" أن ملايين الأشخاص، بمن فيهم ملايين الأطفال، سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2026. ويواجه ملايين الأطفال مخاطر جسيمة مرتبطة بالنزوح، الانفصال عن الأسر، العنف، التجنيد من قبل الجماعات المسلحة، بالإضافة إلى سوء التغذية وفقدان فرص التعليم. وفي أحد المراكز الصحية بإقليم "إيتوري"، يقول رئيس التمريض "جان دو ديو ندوينغالو" إن المركز يستقبل أحيانًا ثلاثة أو أربعة أطفال يعانون سوء التغذية في الوقت نفسه، برفقة أمهاتهم، بعد أن أصبحت الأسر عاجزة عن توفير ما يكفيها من الغذاء. إن استمرار القتال لا يهدد فقط بانهيار الاقتصاد المحلي، بل يعرقل أيضًا جهود احتواء تفشي الإيبولا، مما يجعل فرق الاستجابة تواجه صعوبات بالغة في الوصول إلى المناطق المتضررة ورصد الحالات وتتبع المخالطين، في دائرة مفرغة من العنف والمرض واليأس.